July 22, 2007

ابتسام لوقائع لعينة


- قصة قصيرة -

كنت وحبيبتي جالسين في المقعد الهزيل قبل الأخير في تلك الحافلة الضامرة، التي كانت تسير على مهل كامرأة عجوز فشلت في أن تتجمل، تحمل ما لا طاقة لها به، وكان الشرطي الذي لايمكنني تفسير ملامحه بشكل جيد واقفا على مبعدة في الخارج، يلوح لشئ ما لايمكن إدراكه. لاأدري كيف لمحته في هذا الزحام وتلك الظلمة المقبلة، السكون ينفلت في هدوء ليحل على كل الأشياء والكائنات التي تحوطنا بشكل يدعو إلى الأسى، كما كان هناك ذلك الظلام الخفيف الذي يتسلل كلص يحاول أن يسرق ضوء كل الأشياء والكائنات التي كانت تحاول التمرد عليه هو الآخر قبل لحظات من إعلان هيمنته النهائية عليها، وكان الركاب الصاعدون والهابطون غير معنيين بالحرب الدائرة بين الأشياء، وحين توقفت الحافلة للحظات بدأوا يتسارعون ويتزاحمون على الباب الذي أصبح مكوما على مدخل الحافلة كبواب فقير لايعنيه هو الآخر مايحدث، إلى أن أصبح الأمر كله مدعاة للضحك، فلا يستطيع الركاب الهابطون النزول، ولا يستطيع الركاب الصاعدون الولوج إلى داخل الحافلة، حتى توقف كل شئ، فلايمكن صعود أحد ولايمكن هبوط أحد، أتطلع في الوجوه، كلها مرهقة، كأن عالمنا أصبح متاحا فقط للمرهقين وغير المعنيين بالحروب بين الأشياء.
مالت حبيبتي على كتفي الذي امتلأ بدفئها المفاجئ، واقتربت برأسها الصغيره وملامحها التي كانت تغيب أمامي بسبب الظلام سارق الضوء وقالت :
- لازم أروح للدكتور..
ساد صمت متوتر بيننا فجأة، فلم يكن هناك سبب محدد يدعوها إلى أن تقول ذلك، وكنت أحاول جاهدا إدراك مغزى هذه العبارة، حتى سمعت الجميع يرددون فجأة وفي نفس واحد :
- لازم نروح للدكتور..
كأنه كابوس أحمق فجائي، بدأت أردد العبارة داخلي، وأنا أحاول التأكد من أن ماقيل كان يتردد داخلي أنا فقط ولم يأت من الخارج على الإطلاق، تطلعت في وجوههم، كان كل شئ ثابت، كأن صورتنا توقفت في تلك اللحظة، وكأن الكلمات الثلاث التي انطلقت توقفت في الهواء فرأيتها قبل أن أسمعها، ولفت انتباهي أن كل الصاعدين إلى الحافلة كن من الشابات الصغيرات السن، وكنت أنا الرجل الوحيد الجالس في الحافلة، كنت أرى قلوبهن الدامية تهتز هناك في الفراغ قبل أن تتوقف، حاولت التحديق أكثر فرأيت وجوها دون عيون، لم أر عيونا على الإطلاق، كانت عيونا مختبئة خلف الوجوه الصغيرة الضامرة، كأنها قلوب واقفة أو جالسة على المقاعد الهزيلة التي تمزقت جلودها البشرية أو التي كانت يوما ما بشرية، كأنها تبحث عن طبيب هي الأخرى يعيد لها روحها المفقودة، يعيد إليها نضارة الحياة التي بدأت بها، وكانت بقية القلوب الدامية معلقة هناك إلى العوارض الحديدية الصدئة في سقف العربة العاري، كأن الظلام السارق قد ابتلع تلك العيون تاركا تلك الفراغات التي باتت خالية تماما من أي تعبير.
تطلعت إلى حبيبتي الصغيرة فوجدت وجهها هي الأخرى قد تحول إلى نفس وجوه البقية، وجه بلا عيون، لم أر ذلك غريبا أيضا، فالعالم لايبقي على الأشياء كما هي، إما تتغير بذاتها، وإما تتغير عيوننا، لكنني كنت متأكدا من أن حبيبتي كان لها عينان عسليتان كبيرتان، لكن هاهو لون عينيها قد سرقه الظلام المهيمن وخلطه بالصدأ المتراكم على تلك العوارض الحديدية القاسية في سقف العربة والتي ارتضت لنفسها أن تلعب دورا قميئا لم يكن خليق بها أن تلعبه، كانت حقائق الأمر تتقافز أمام عيني مثل أسماك صغيرة على وشك أن تموت بعد أن خرجت من النهر الذي يحتضر هناك بعيدا عنا، ولم أكن أملك سوى تلك الابتسامة المعزية التي أوزعها كيفما أشاء على تلك الوجوه التي بلا عيون، تلك الوجوه المرهقة المنسحبة في الظلام السارق.
تطلعت في مرآة العربة المعلقة التي كانت تمارس دورا تاريخيا يتعلق بممارسة الجنون والرغبة، كأنها كومبارس في فيلم طارئ، هناك بجانب تلك القلوب الصغيرة المعلقة في الأمام، سألت نفسي أيضا إن كانت تلك الوجوه تنوي التطلع في المرآة بعد اليوم، تلك المرآة المشتعلة بأحاسيس لامعة خسيسة، وقلت ربما، ربما تفعل الوجوه ذلك، ولم أكن متأكدا تماما من أن المرآة هي التي ننظر إليها لنتفحص أنفسنا، أو أنها هي التي تنظر إلينا لتعيش اكتشاف قدرتها على جذب الكائن الذي اختار الوقوف أمامها، أو حتى التطلع إلى صفحة وجهها، بعض المرايا تشتعل بالرغبة والجنون وهي تقف أمامنا تلك الوقفة الأبدية لنرى أنفسنا فيها، هل المرآة هي التي تصاب بالجنون، أم هذا الكائن الواقف أمامها، هل يمكن تفسير الأمر على هذا النحو، كنت غارقا في أفكاري الرمادية عن الأشياء التي ليست أشياء.
حقيقة أخرى غائبة عني لاأدري لماذا خطرت على بالي فجأة، ربما بسبب هذا البرد اللعين الذي مايبرح يتسلل بين أقدامي وأقدام حبيبتي فيدور حولهما ويلفهما حتى كادا أن يتجمدا، فتزداد التصاقا بي، هذا البرد الذي يتحالف مع الظلمة والسكون كي نتخاذل ونسقط، ربما أيضا بسبب ذلك الدفء الذي تسلل لعروقي الباردة الهاربة بفعل رأس حبيبتي، هذه الرأس التي أصبحت خالية الآن من كل الملامح، كان الظلام قد سرق كل شئ ولم يترك سوى شفاهنا، كنت أفكر في كيف نترك أشياءنا الحبيبة لوحدتها القاتلة، أكثر الأشياء في حياتنا استمتاعا هي الأسرة، بما فيها من أغطية وحشيات ووسائد، نقضي معها الساعات، نتبادل معها أحاديث صامتة حميمة، والعيون مغلقة وكذلك الآذان، حالة من التوحد مع ذوات الأشياء، حالة آسرة.
إذن لم يكن غريبا أن أسمع جميع من في العربة يردد جملة حبيبتي، وكنت أنا أردد معهم خارجا من إحساسي بتلك الوقائع اللعينة، القابضة على كل مسامي ومسام الأشياء والكائنات حولي:
- مش هانروح للدكتور..
ورغم ذلك وجدتني فجأة أبتسم لهذه الوقائع اللعينة، أبتسم للأشياء التي ليست أشياء، أبتسم قبل أن تختفي.

8 comments:

كراكيب نـهـى مـحمود said...

ّلك الخيط الرفيع بين الحلم والكوابيس التي تملا الحياه الواقع وما نتخيله وما يفرض وجوده
القصة لها دلالات محزنة وجميله تحياتي

heyam said...

سيدي,,أنا أيضا لن أذهب ,,,
كل أشياؤك اللعينة تطاردنا في كل مكان
الوجوه المغبرة ,,أينما ذهبنا
من يمسح غبار سكن وجوهنا ,,
الضحكة المبتورة ,, ماعاد بالامكان اصلاحها
تساوت الأشياء,,,
صرخات,,,ولا مجيب
أين نهرب؟؟؟
من زمن العجز والقهر

Zain said...

العزيزة نهى
أشكرك على كلماتك المشجعة، وتظل كل الدلالت دون وجه حقيقي، لأنه لايمكن إدراك ماهي الحقيقة دائما، أتمنى لك كل التوفيق في مدونتك الجميلة

العزيزة هيام
لاتذهبي، فهي دعوة للتمرد على عدم الذهاب وعدم التفاوض مع العبث، وعدم الالتفات لكل مايسحبنا للخلف.. لكن هناك يبقى خيالنا هو الوحيد الذي بإمكانه أن يسحبنا بعيدا عن دوامات القهر والعجز

emad said...

سماء الأدب مع روعة المكان تضفي ما يستحق به التحليق نحو ماوراء الهموم

Zain said...

العزيز عماد
أشكرك على تعليقك اللطيف

المكتبين العرب said...

الأستاذ الدكتور زين عبد الهادي
تحية طيبة و بعد
أقدم تهنئتي علي مدونة حضرتكم الجميلة و كما أتحفتنا بانتاجكم الفكري في مجال المكتبات و تكنولوجيا المعلومات طليت علينا بمدونة أضافت لرصيدنا الفكري الكثير و من و جهة نظري قصة حياة كل شخص هي قصة واقعية تستحق النشر و الدراسة
و الله ولي التوفيق
أحمد ناجح

Anonymous said...

أستاذي الأعز
كعادتك دائما رائع و بارع في الوصف و التشبيه لكن أين الحوار القصصي؟ ألست معي؟

رواية التساهيل في نزع الهلاهيل قرأتها كلها مرتين رائعة جدا لدرجة إنى تقريبا أعيش نفس اللحظات و الأحداث التي بها
ابنكم ثروت العليمي
هل تتذكرني؟

المكتبين العرب said...

الأستاذ الدكتور زين
كل أنسان في حياته قصة ممكن تكون مأساة أو ملهاة او حتى تراجيديا ومن وجهة نظري لو كل انسان كتب مذكراته تنفع تبقى قصه
و تنجح و تسمع
فمثلا نجيب محفوظ لما كتب السكرية و قصر الشوق و بين القصرين تكلم فيها عن الواقع المعيشى للمجتمع المصري لانها قصص من واقع الحياة فهل لو كل شخص كتب قصة حياته مش تنفع تبقة قصة
مع تحياتي اخصائ مكتبات في عصر العولمة