September 23, 2007

أن تقف وجها لوجه



أن تقف وجها لوجه
أمام العالم المنزوع الضمير
أمام الشمس التي لاظل لها
أمام قضبان السجان المزروعة على الطرقات
أمام ديكتاتورية الطبيعة
أمام طلقات الرصاص المصوبة إلى عقلك
أمام الأسماك الميتة في نهر أحلامك
أمام فترينات العصر التعس
..
أن تقف وجها لوجه
أمام إحباطات غرائزك الصغيرة
أمام تواطؤ العصافير التي لاتزور نافذتك
أمام خيانة الورود التي تغيب في الخريف
أمام الخرائط التي لم تطأها قدمك
أمام تراثك المحكوم عليه بالفناء
..
أن تقف وجها لوجه
أمام الرياح التي تذروها حروفك
أمام السكون الذي يغتال دمك
أمام القوادين
والجهلاء في الصحف الحكومية
أمام مدافع صمت الآخرين الدنئ
..
أن تقف وجها لوجه
أمام ذاتك المكسورة دون لاصق مؤكد لها
أمام جلاديك في شوارع المحروسة
أمام أمك المختبئة في السماء منذ عقود
أمام مهدك الذي باعه النخاسون بعد أن باعوك
أمام عهود الملائكة التي لم تتحقق
أمام الشياطين السابحين في أوردة أمانيك
..
أن تقف وجها لوجه
أمام عار العالم الذي صنعوه
وأقنعوك أنه عالمك الوحيد
..أن تقف وجها لوجه
أمام كل هؤلاء..
هل يمكنك!!
هل يمكنك؟!
هل يمكنك؟!
يمكنك؟!

الصورة للفنان Storm Thorgerson
من الموقع
http://www.galleryonline.com/

25 comments:

نورسين said...

أن تقف وجها لوجه امام احباطات غرائزك الضغيرة...ان تقف وجها لوجه امام ذاتك المكسورة دون لاصق مؤكد لها...

أن تقف وجها لوجه
أمام عار العالم الذي صنعوه
وأقنعوك أنه عالمك الوحيد
..أن تقف وجها لوجه
أمام كل هؤلاء..
هل يمكنك!!
هل يمكنك؟!
هل يمكنك؟!
يمكنك؟!
مريتين او اكثر قرأت وجها لوجه التي أوقفتني وجها لوجه امام عالمي البئيس ..امام سنين العمر المهترأة امام صفحتي التي اعجز عن اكمالها .. امام عزيمتي الخائرة ..ارادتي المعدومة

سيدي كيف لي !!!!
كيف اقف امام كل هؤلاء، فليسامحك الله على رجفتي واحتباس انفاسي ،،لامست كل اوتاري لتعزف عليها سمفونية الحزن الدفين

ابدعت كعادتك بل اسمح لي وأكثر من عادتك
تحية لك بدمي

ابو مروان said...

ليس من السهل ان يعترف الشخص بضعفة
ولكنى اعترف بضعفى امام كلماتك التى جعلتنى لا اقوى على الوقوف وجها لوجة
تحياتى

sayed saad said...

كيف يمكنني وقد أزدت قالب الثلج صلابة

سهـــــــــــــــام said...

الكلام فيه تحدي كبير, لكن العوائق كثيرة (عالم منزوع الضمير ,ورود تغيب في الخريف,سكون يغتال الدم....وغيرها)عوائق لايقدر عليها فرد , لان فرد في وجه عالم يأتي بنتيجة سلبية ,ولكن اذا بدلنا حرف التاء بحرف نون لكانت العبارة اقوي (ان نقف وجها لوجه)تكون النتيجه ايجابية
تحياتي وتقديري

Anonymous said...

كم تخيلت ان هذا العام املكة وحدى اريد ان اقف واصرخ
ان ابكى و اضحك ان انشر ضحكة على وجوة دماءها منزوفة
توقعت ان وحدى سوف انتصر الا
انى
لا يمكننى الوقف اما كل العوائق التى نراها فى حياتنا فكم منا دماءة منزوفة
لا يسطيع ايقافها او دوائها
فكم من حلم يدمر لا نستطيع حمايتة تحت
لواء قوانين
اجرات حكومية لا تكسر
فكم من احلام اصبحت خائفة من الظهور
حقا انى لا استطيع ان اقف امام حلم لى يدمر او ينهمر
و ان كان لى الرغبة قديما و عزيمة قوية على تحقيق حلمى
فلان قد فقد كل عزم لى
حتى طموحاتى ابتعتها فى قصور الاجراءات القانونية و الحكومية
اعترف انى اصبحت مسلوبة الارادة امام هذا العالم

تحيتى لك
و لكلماتك التى جعلتنى ابكى على عالمى
و الذى بعث فى روح الهروب مرة اخرى

وتقديرى الى سهام
فكم ان عقلها استعاب معنى حرف النون الذى اختفيى منذ قرون قديمة وتم تشيعة منذ الالف السنين

تحتى لكما
و لهمسة حب
احيكما من قلبى
تحية تنزف بالدماء مدموجة بدموع احلام حطمت
nour

عين ضيقة said...

أعتقد أنه لا يمكننى

النص موجع بعض الشىء

لكنه جيد كثيرا

أسلوبك كمان كويس جدا جدا

تحياتى ليك وبجد

سهـــــــــــام said...

في البداية بشكرك يانور على تقديرك لحرف النون وبعدين انا بشكر زيزو اللى عرفني بيكي وبكل المجموعة الهايلة دي , تعرفي بجد الواحد مخه كان هيصدي من كتر الشغل والروتين والمدونة دى جتلى نجده عشان اطلع اللى جوايا بدون قيود
تحياتي

Anonymous said...

سهام احب اقولك ان نور كائن من نور كائن اعشقه و احبه و احيه و الجا اليه نور قلبي الصغير تضيئة سمسمة الصغيرة شريكتي الصغيرة في طموحاتي و احلامي و حياتي و في اصغر شى و اجمل شىء. قد عشنا معا اياما جميلة و شتاء سعيد و لحظات دافئة احن اليها الان و لا افتقدها لانني اري نور دائما .بحبك يا سمسمة و احلامك ما اتجطمش مش اتفقنا على كدة لما كنا سوي قبل ما انزل من عندك اخر مرة و انتي بصا علينا من البلكونة عرفتي انا مين طبعا احلامك بايدك تحققيها صدقيني تحياتي خلي اسمي في سرك

سهـــــــــــــام said...

اديني امارة تانية انا لسة ماعرفتش ومش طالعة من المدونة دى من غير ماعرف

Anonymous said...

زيزو هينزل يموتك امارة ازاي انتي بتصدقي كلامي صح طب لما اقولك ان الناس اللي كنتي زعلانة انهم مش بيسالوا عليكي معايا تليفونهم بايز هتصدقي و لما اقولك هجيلك و الله و سلامي على عم بركات خلاص بقي كفاية خليه في سرك و اطلعي هرنلك دلوقتي ارتحتي

Anonymous said...

الاستاذ الفاضل بعد التحية
اذا ارادت ان تقول لاحد في وجهه انك تبغضة فكيف ستقولها
كيف ستقول لانسان انه قد انهار لديك كيف كيف كيف هل يمكنك
سؤال اخر :
كيف تقول للظالم انه ظالم في وجهه كيف
في انتظار اجابتك
زياد صالح

Anonymous said...

وحشتينى و بحبك اوووووى
و عمرى ما انساكى

فانتى من احسستينى بدفء الام بعد وفاة امى

فيكفينى سؤالك عنى

على فكرة انا بعرفك بس من كلامك و من همسك
احبك اوووووى

يارب يرزقك حياة سعيدة مع من تحبين
طبع فهمانى

على هقولك على خبر حلوووووة اووووى
بس اول ما يحصل اوك

nour

حازم شلبى said...

كما قالت العزيزة نورسين ... سامحك الله يا صديقى أوقفتنا بكلماتك امام انفسنا و جمعت كل احباطات العمر لتلقيها فى وجوهنا لنتأكد نحن كما تأكدت أنت من ضعفنا وانكسارنا أمامها .. لتعلن انتصارها وهزيمتنا .. أن نقف وجهاً لوجه امام الرياح التى تذروها حروفنا وامام السكون الذى يغتال دمنا امام عار العالم الذى صنعوه لنا .. كنا نعرف اننا لن نستطيع الوقوف ولكننا كنا نتصنع الشجاعة و ندعى البطولة ونتظاهر بالصمود حتى جاءت كلماتك لتصفعنا .. رفقاً بنا يا سيدى ولك عظيم المودة والاف التحايا

عندما انتهيت من صنع سفينتى..جف البحر said...

بعد ما قريت كلامك حسيت انى معنديش القدرة انى اواجه اى حاجة من دا كله وانى اد ايه ضعيفة اوى وان ابسط حاجة منهم اقوى منى وانى انا الى محبوسة فى الصندوق الزجاجى ولما جسمى اكتر من كدا كمان
كنت نسيت انى مستخبية وانت فكرتنى

عندما انتهيت من صنع سفينتى..جف البحر said...

لا استنى بس عارف انا ممكن انقلب 180 درجة لما افكر انى هعيش مرة واحدة بس وهموت مرة واحدة بس بس اموت وانا حاسة انى كنت قوية وعندى قدرة على مواجهة اى حاجة ولو حتى نفسى

Anonymous said...

اسفين يا دكترة على الازعاج والله هما بيسيبوا عندي و يعلقوا عندك متاسفين خالص
والله يانور طول النهار ابص لايدي و افتكرك لما القيها علمت من الموس
سوي قلتي الان او لما يحصل المهم ان في خير
اوكية
سلام ياقمر

Zain said...

الأعزاء والأحبه والأصدقاء والأخوة
كان نفسي أجاوب واحد واحد..
نورسين
من قال أن هناك خور في عزيمتك.. ومن يحاول أن يقنعك بذلك.. فكري في غريمتك المختبئة دائما، هي فقط من تقنعك بذلك.. فهل تستسلمين.. بالطبع كلا وألف كلا.. تحياتي لكل نصوصك الموازية التي تأتين بها من الجحيم..
خالص مودتي وامتناني

العزيز أبو علي ومروان وكل العيال اللي بتجري في الشارع
نورت يابني، وماتخافش، انت اللي بتختار الوقت اللي تواجه فيه، فقط لاتدع أحدا يجعلك تواجه في يوم أنت غير مستعد فيه للمواجهة..عموما ماتقلقش وراك رجالة..
حبي الدائم


العزيز سيد سعد
قالب الثلج السميك يذوب ببعض الحرارة.. الحرارة تيجي منين!!
تحياتي وحبي

Zain said...

العزيزة نور
لماذا تبكين.. لم أقصد على الإطلاق أن أكتب مايبكي.. اعتذر لكي بشده وسأحاول أن لاأرتكب هذه الجريمة مرة أخرى
خالص مودتي واعتذاري

Zain said...

العزيزة عين ضيقة ترى السماء
وأنا أعتقد ألأنك تستطيعين، إرادتك تبدو لي من هنا .. من النوع الحديدي..
شكرا لكلماتك الرقيقة
تحياتي وتمنياتي

Zain said...

العزيزة سهام
أنا هاسيبك انت وهمسة ونور تتخانقوا .. براحتكم.. بس أنا عارف انكم حبايب في النهاية
خالص مودتي

Zain said...

العزيز حازم شلبي
أتمنى ان لانقاتل طواحين الهواء، فأنا في الرحلة ومعي أنت وحمارنا وسرفانتس يرسم خطواتنا.. نستطيع المواجهة دئما.. لأننا نملك قلوبا ليست برسم البيع..
خالص حبي

Zain said...

العزيزة أغاني الشتاء
يعجبني بساطتك وعفويتك.. ولحقتي نفسك بالتعليق التاني .. هو كده.. الحياة مابتتعاشش إلا بالشكل ده.. لكن لازم نعرف امتى نواجه.. لأن ده مهم جدا في معركتنا..صح!!
خالص مودتي

Zain said...

الأستاذ زياد صالح
على الرغم من بساطة سؤالك.. لكنه أصعب الأسئلة في ذات الوقت.. لكني سأقول لك على سر صغير يحل هذه المشكلة..هناك مقولة أرددها دائما، إما أن تخسر نفسك وتكسب العالم..أو تخسر العالم وتكسب نفسك... عند اختيارك لأي مبدأ من الإثنين ساعتها سيمكنك الإجابة على سؤالك الأول والثاني..
الحياة الآن رمادية ليس بها أبيض أو أسود.. عليك أن تتسلح بالفطنة.. عن نفسي لم أتسلح بها يوما.. كنت أفعل ماأريد دون أن حسابات أخرى!!
أشكر لك زيارتك وأتمنى أن تتكرر..
خالص مودتي وحبي

المكتبين العرب said...

نجيب محفوظ

عندما أخذ قطار الصعيد يهديء من سرعته كان الفجر الأزرق الحالم قد اكتسي بحلة فضية من ضوء الصباح المنير، وقد فتحت السيدة روحية هانم عينيها مع بزوغ أول شعاع من أشعة الشمس، ولبثت لحظة مستسلمة لتراخي النوم، ثم اعتدلت في جلستها في الصالون وادارت عينيها الزرقاوين الفاتنتين في أنحاء الصالون حتي استقرتا علي وجه الاستاذ عاصم الذي كان يغط في نوم عميق، فلاحت فيهما نظرة حب وحنان، وكان من الضروري ايقاظه لدنو القطار من محطة مصر، الا أنها لم توقظه قبل ان تقوم إلي المرآة الصغيرة الموضوعة بين صور الكرنك واجاممنون، فتسوي شعر رأسها وتمسح خديها وجيدها بالبودرة المعطرة.. وتنبه النائم علي لمس أناملها ذات الاظافر الاهرامية الحمراء.. وكان أول ما مس احساسه من عالم اليقظة رائحة انفاسها الزكية وهي تطبع علي شفتيه قبلة شهية.. وفتحت النافذة واطلت منها برأسها الذهبي كأنها شمس تشرق من الأرض، فرأت بناء المحطة يدنو من بعيد، فالتفتت إلي الاستاذ وقالت وهي تتنهد: وآسفاه انتهت سفرتنا!.. فقال لها وهو يتمطي: هذه نهاية كل رحلة.. أما الحب فلا نهاية له!.

فقالت بصوت جعله الشوق والوجد كلحن من الموسيقي الخافتة: أين اسوان أين؟.. أين خلوة الصحراء تحتوينا معا؟ اين جدران المعابد تستر علينا؟ أين زورق النيل يجري بنا علي سطح الماء؟ أين وأنا وأنت لانفترق ونشهد معا وجوه اليوم من الفجر والصباح فالضحي والأصيل ثم المساء.. واها!.. فتنهد الشاب تنهدة هادئة لاكت نهداتها الحارة وقال: سنعود إلي أسوان في الشتاء القادم. أما من الغد فالي عش غرامنا المعهود في شارع سليمان باشا.. فقالت: هيهات أن تعوضنا هذه الساعات التي ننتهبها انتهابا، عن ذلك الشهر السعيد الذي كنا فيه جسما واحدا وروحا واحدة.

وحاول أن يجيبها بمثل حماسها، ولكن خذلته نفسه الهادئة الملولة فقنع بقوله صدقت ياعزيزتي ثم قام إلي النافذة الأخري ففتحها، وكان القطار قد بلغ المحطة واخذ يرسل صفيره المدوي في جوفها العظيم، فأرسلا بناظريهما إلي أفريز الاستقبال، وكان مزدحما بالجمهور. وسمعت الاستاذ يقول: هاهم أولاء.. زوجك وحياة ومدحت.

فقلقت عيناها بين الرؤوس المشرئبة حتي اطمأنتا إلي رأس حياة الذهبي، غرق قلبها حنانا، وتحولت عن النافذة وانطلقت تعدو خارجة، والاستاذ في أثرها. وعلي الأفريز هرع إليها مدحت وحياة وهما يصيحان: ماما فتعانقوا عناقا حارا، ولما تخلصت منهما، رأت زوجها الشيخ وهو في عباءته الفاخرة، وطربوشه مائل إلي الخلف يبدي عن شعره الخفيف، فجمدت عيناها، وتقدمت إليه، ومدت يدها فسلم عليها واجما، ووضع يده أيضا في يد الاستاذ عاصم.. وساروا جميعا إلي الخارج، الزوج في المقدمة وخلفه الزوجة بين مدحت وحياة ومن وراء الجميع الاستاذ.. واستقلوا السيارة التي انطلقت بهم في طريق الزمالك..

وجلس الزوج وزوجه وحياة في ناحية، وجلس في الناحية الأخري المقابلة الاستاذ ومدحت. واستطاع عاصم ان يري حياة عن كثب لأول مرة، اذ أنها لم تكن تقابله في زياراته المتكررة لوالديها.. يا للعجب للشبه العظيم الذي بين الأم وابنتها، فلم يكن يفارق بينهما الا ما يفارق بين نضارة الشباب الاولي ونضوج الانوثة الكاملة، فكانت الفتاة كالياسمينة العبقة في الغصن وأما الأم فكالوردة النادرة في الزهرية!

وظلوا صامتين جميعا حتي قال الزوج: كيف كانت الرحلة؟ لعل صحتك تحسنت ياهانم؟.. فأحنت المرأة رأسها وتمتمت: الحمد لله. وقال الاستاذ: قل ان تغيب الشمس في اسوان وهي انجع دواء للهانم.. فأبتسم الرجل عن اسنان ذهبية صناعية وقال: يسرني ان أسمع هذا، وعسي ان تسرا بدور كما لأنبائنا، فتهنئها حياة بخطبتها القريبة...

وأحمر وجه الفتاة وخفضت عينيها حياء، والتمعت عينا الام وبدا عليها الاهتمام، وردت نظرها بين حياة وزوجها وسألت بلهفة ودهشة:

وهل تمت هذه الخطوبة؟.. فقال الرجل: لايجوز ان تتم خطوبة فتاة في غياب أمها... ولكنها ستتم قريبا باذن الله!.

ونظر الاستاذ إلي الفتاة وقال مبتسما: مبروك. أما الأم فسألت:

من هو؟. واجابها الرجل: طلعت، أين شريكي..

وسأل المحامي: هل هو موظف؟، فقال الرجل بزهو: نعم وكيل نيابة!.

وأطبقت روحية هانم شفتيها فلم تفه بكلمة أخري، واستسلمت لأفكار غامضة فغابت عن الحاضرين، وانتهت السيارة إلي الفيلا ودخلوا جميعا ومعهم الاستاذ عاصم.

ولكنه استأذن بعد قليل وانصرف إلي بيته القريب.

كان السيد محمد بك طلبة من كبار تجار الشاي المعروفين بمصر وقد ربح من تجارته ثروة عظيمة تقدر بمئات الألوف من الجنيهات، وكان في اخلاقه صورة من رجال طائفته الناجحين في حسن التدبير وعلو الهمة والحرص، وبالرغم مما تحفل به حياته من التجارب والمخاطرات، وبالرغم مما صادفه فيها من ويلات المحن وفرص النجاح، فانه مايزال يعد زواجه أخطر حادث في حياته، وهذا هو اعتقاده الدفين وان لم يصرح به!.. وقد وقع هذا الحادث الخطير منذ عشرين عاما وهو في الخامسة والأربعين اذ كان يقوم باحدي رحلاته التجارية بسوريا، وقد التقي هناك بأسرة زوجه وتعرف إلي والديها، وكان الأب سوريا والأم أمريكية. ورأي ابنتهما الشابة الفاتنة ساعة فوقع في حبها وجن جنونا وتحركت في اعماقه غريزته التجارية غريزة الامتلاك فخطبها إلي والديها ولم يستدر ذلك الشهر حتي تم زواجه منها، وعاد إلي مصر بأعظم ربح وأجمل امرأة في الوجود كما قال لنفسه حينذاك...

بدأت الحياة الزوجية بنجاح لابأس به، وأثمرت علي مر الأيام طفلين جميلين مدحت وحياة. فبشر مقدمهما الاسرة بدوام السعادة والعشرة.. ودارت السنون دورة سريعة فوجد إليك أنه أخذ يجتاز الحلقة السابعة، ويقنع من الدنيا بمشاهدة مدحت وحياة، ويكتفي من الحب يتذكر احلامه المنطوية... وأما المرأة فالفت نفسها في مكتمل الانوثة ونضوج الشباب فلم تحمل نفسها القناعة من الدنيا بالأبناء والاحلام، اذ كان شبابها عنيدا جبارا دائب الثورة علي الزمن.. فتصدع ائتلاف الزوجين، وعجزت شيخوخة الرجل عن كبح هذه الحيوية الثائرة فانكمشت امام سيلها العارم وخلت لها المنحدر وانزوت مطعونة باليأس مذعنة بالتسليم.

واتفق أن كان الاستاذ عاصم المحامي صديق الزوج وجاره السبب المباشر في انفجار هذه الثورة الحيوية العنيفة، وقد تحيرت (صالونات) الزمالك في تحديد علاقته بروحية هانم، فمن قائلة أن هذا المحامي الجميل ليس الا صديقا للأسرة، ومن هامسة بأنه عشيق الزوجة ومتغفل الزوج، ومن مؤكدة انه عشيق الزوجة علي علم وتسليم أو علي الأقل تغاض من الزوج. وظل كل فريق علي رأيه حتي ذاع خبر تلك الرحلة الشتوية إلي أسوان، التي قيل في تعليلها ان الاطباء نصحوا للهانم بانتجاع الصحة في مصر العليا، وأن الزوج الذي تمنعه اعماله في مثل هذا الوقت من السفر عهد بالزوجة إلي صديقه المخلص المحامي الذي يسافر في يناير من كل عام إلي اسوان... هنالك قطع الشك باليقين واتفقت الآراء...

وكانت روحية هانم لاتهتم بشيء اهتمامها بشبابها، فكانت لاتني عن العناية به والتفكير فيه حتي غدا ذلك وسواسا ومرضا ينغصان حياتها بالمخاوف والأوهام، وكانت كلما تقدم بها العمر يوما تزايدت وساوسها واشتدت مخاوفها، ذلك انها كانت تحس في أعماقها ببلوغ قمة الشباب التي لايعقبها الا الانحدار، وكانت تعلم أن شبابها هو سعادتها لأنها بدونه لاتستطيع أن تجذب إليها الرجل الذي تحبه والذي تعلم مع الألم الشديد أنها تكبره بما لايقل عن عشرة أعوام...

ولطالما تذكر ما قالت مرة امرأة تعلن لها الود وتكتم العداوة في مجلس لأخري وهي تعنيها بالذات، من ان النساء اللاتي يحافظن علي شبابهن بعد فوات عهده يهرمن مرة واحدة بلا تدرج.. واها!.. كم سخرت من رأي هذه المرأة وكم أرجعته إلي الحسد الذي تحمله لها، ولكن.. لاسخريتها ولا تظاهرها بالاستهانة افادا شيئا في مغالبة الذعر الذي استولي عليها والرجفة التي استحوذت علي أعصابها.. فغدت كالمجنونة يخفق قلبها جزعا واشفاقا كلما طرقت اذنيها دقات الساعة.

وجعلها ذلك في حيرة بين حبها لمدحت وحياة وبين الخوف منهما، فهما بلا شك لذة الأمومة التي تخفق في صدرها ولكنهما آيتان علي كذب شبابها، أما حياة فقد بلغت السادسة عشرة من عمرها وهي تخطو إلي النضوج بخطي سريعة تدل عليها معاني العينين ونهوض الثديين، وأما مدحت فتعذيبه لها أشد اذ أن هذا الشاب الذي لم يجاوز الثامنة عشرة ينمو نموا خطيرا، فهو فارع الطول جاهر الفتوة عريض المنكبين، والأدهي من هذا كله غرامة بشاربه ومطاوعة الشارب له، فالشاب يحب الرجولة ويستزيد منها حب أمه للشباب واستزادتها منه.. وقد كانت حريصة علي استصحابه كلما خرجت حتي قالت لها مرة امرأة من صاحباتها: ما أحري الذي يراكما بأن يقول ما أسعدهما من زوجين! ولم تدر ما اذا كانت المرأة تثني علي شبابها أو تلمزه وعلي كل حال لم تستصحب فتاها بعد ذلك أبدا..

علي انه لاح في افقها الآن ما يستخف بجميع همومها السابقة، اذ ما مدحت وما شاربه إلي زواج حياة المنتظر؟!

لقد بغتها الخبر، وكانت البغتة من الشدة بحيث لم تدع لها فرصة للتدبر ولا للتفكير ولاحتي للتظاهر بالفرح أمام ابنتها اذ هما بالسيارة.. فلما ذهبوا إلي الفيلا خلت إلي نفسها بحجرتها معتذرة بتعب السفر، وفي عزلتها عاودت التفكير في هدوء وأمعان فتوالت عليها الفروض والتصورات، فهي لاتشك في انه لولا الحياء لغنت حياة فرحا وسرورا، وأي فتاة لاتفرح للزواج؟ وخاصة اذا كان الشاب في عنفوان شبابه وجيها في بحبوحة من الغني والجاه سيدا في وظيفة تتيه علي جميع الوظائف، فلعلها باتت تغرد في قلبها أطيار الحب وتحلق في جوها الطاهر احلامه العذبة، فهي جد سعيدة بحاضرها، جد آملة في مستقبلها، ولاشك انها تنتظر الآن ان تستعيد أمها راحتها من وعثاء السفر وأن تذهب إليها لتطبع علي خدها الوردي قبلة التهنئة فتعلن رضاهاوموافقتها فتتم الخطوبة وتكمل السعادة.

ولكنها اذا فعلت فستغدو الابنة زوجة، وتمسي أما. فتسمع عن قريب من يناديها بقوله: جدتي، جدتي!. لقد نطقت بهذه الكلمة الشنعاء، فدوت في اذنيها دوي التصويت والنواح فارتج لها جسمها البض وخفق لهولها قلبها العاشق.. وأحست ببرودة الخوف تسري في أعصابها سريان الجفاف في الغصن الرطيب.. وخيل إليها الوهم أنها تجلس إلي مقعد وتير وإلي جانبها ابنتها وعلي حجرها غلام وكأنها تسمعه بأذنيها يهتف بها: ياجدتي!. ورأت نفسها وقد ذوي جمالها وتغضن جبينها وغارت عيناها ورق خدها وأبيض شعرها.. فانتفضت واقفة وكتمت صرخة رعب كادت تفلت من شفتيها، وهزت رأسها بعنف لتطرد عن خيالها الاطياف المرعبة. حتي اذا عاودها اطمئنانها صاحت ابدا.. ابدا.. لن يكون هذا.

ولبثت ملازمة لحجرتها غير عابئة بما عسي أن يحدثه غيابها في نفس ابنتها العزيزة، حتي ثقل الأمر علي البك فاستأذن عليها ودخل، وجلس قبالتها وجعل يرمقها بعينيه الحادتين وهو يرجو أن تفاتحه بالحديث، ولما لم يدع له أصرارها أملا قال: أرجو ان تكون اسوان قد شفت أعصابك.

وأغضبها قوله، وظنت أنه يتهكم عليها فنظرت إليه نظرة حمراء، ولما شاهدت عينيه الحادتين. وقر في نفسها انه هو الذي سعي إلي هذه الخطوبة وانه سعي إليها تأديبا لها وانتقاما منها، فهو أعرف الناس بها وأعرفهم علي وجه الخصوص بما يسرها وما يسوؤها، واشتد بها عند ذاك الغضب، فعضت علي شفتها السفلي واهملت الرد عليه، فقال كالدهش: مالك؟ لست كعادتك.. والأعجب من هذا أنك لم تفرحي لما بشرتك به!.. فاهتاجها الغيظ وقالت محنقة غاضبة: لن تتم هذه الخطبة!.. فبدا علي وجه إلبك الانزعاج وقال: ماذا تقولين ياهانم؟.. وأجابته بصوت صارم: اقول انه لن تتم هذه الخطبة..!

كيف؟.. وطه؟..

ان حياة مازالت صغيرة السن.

ولكنها بلغت سن الزواج القانونية.

ماذا يفيد القانون اذا كان الزواج المبكر يؤذي صحتها؟

لقد تزوجت ياهانم في مثل سنها ومع هذا فان كل من يراك يشهد لك بالصحة والنضارة..

فضربت الارض بقدميها وقالت محنقة مغيظة: أنا دائما أشكو من أعصابي.. فضيق عينيه ورفع حاجبيه وقال في تهكم: ربما كان ذلك لعلة غير الزواج..!

فغلبها الغضب واشتد بها الانفعال وقالت بصوت متهدج:

باختصار لن تتم هذه الخطبة. ولكن الزوج صر علي اسنانة الصناعية وقال:

لقد اطلقت لك الحبل علي غاربه وملكتك حريتك الكاملة وقلت لك منذ عامين أنت وشأنك.. ولكني لم أتنازل عن حقوقي كوالد ولا أفكر في التنازل عنها، وأني لأشفق من أن تضيع علي ابنتي مثل هذه الفرصة الذهبية، ولذا فاني اعلنك.

وأني أعني ما أقول باني سأعقد هذه الخطبة!

فقامت غاضبة وأشارت إليه بيد مرتجفة وصاحت: وأنا أؤكد لك بأنها لن تتم.

فهز الرجل كتفيه استهانة وغادر المكان وهو يقول سنري.

وصبرت الهانم حتي عاودها شيء من هدوئها ثم دعت إليها ابنتها، وحدثتها حديثا طويلا عن حبها لها وخوفها عليها وتوخيها ما ينفعها وأشفاقها مما يضرها، ثم خلصت إلي ما دعتها في الحقيقة من أجله، فأعلنتها بانها لاتوافق علي زواجها وانها ترغب في تأجيله بضع سنين خوفا علي صحتها، ورحبتها رجاء حارا أن ترفض يد ذلك الشاب وألا تذعن لارادة والدها.

وصمتت الفتاة صمتا بليغا، ولاذت به من الرفض أو القبول، وعبثا حاولت المرآه أن تخرجها عن صمتها ولكنها فهمت منه، ومما طالعت في وجهها من الحزن والاستياء ما أشفي بها علي اليأس والقنوط.. ولبثت الفتاة في حضرتها ما لبثت ثم غادرت الغرفة ولم تنفرج شفتاها من غير التحيتين.. تحية اللقاء التي نطقت بها في مسرة وفرح، وتحية الوداع التي قالتها في صوت خافت بارد.. وجن جنون الام ازدادت تشبثا وعنادا، ووقفت من الزواج موقف المقاطعة والتحدي.. فلما جاء الشاب الخطيب لزيارتها أبت أن تقابله كما رفضت مقابلة أهله من بعد. وأضطر البك إلي انتحال الاعذار الكاذبة لها، وبذل الرجل ما في وسعه لاقناعها بالتحول عن عنادها وتوسل إليها باسم ابنتها، ولكنها ركبت رأسها وأبت أن تصغي إليه حتي انفجر مرجل الرجل واقدم علي الافضاء بالحقيقة إلي شريكه والد الخطيب وشكا إليه قسوة امرأته التي تضحي بسعادة ابنتها في سبيل شبابها الكاذب.. وطلب إليه أن يعاونه علي اتمام الزواج رغم أرادة الأم انقاذا للفتاة من أنانية أمها المتوحشة!

وذاعت هذه الكلمة التي قيلت سرا في جميع الأوساط الراقية، وتحدثت بها (الصالونات) حتي بلغت اذني الاستاذ عاصم المحامي الذي حملها بدوره إلي روحية هانم نفسها، ولكن لم يكن هذا ولا ما أصبح يبديه مدحت وحياة من الاستياء والنفور الا ليزيدها عنادا واصرارا.. ووجدت المرأة أن كل ما قيل وذاع لم يغن فتيلا في عرقلة الساعين إلي اتمام الزواج، وكانت تري في نجاح مسعاهم القضاء الاخير علي سعادتها وشبابها وغرامها، فانبرت للدفاع عن نفسها دفاع البائس المستميت واهتدت في قنوطها إلي فكرة جهنمية شريرة لاتخطر علي قلب أم أبدا، وسارعت إلي تنفيذها بقلب اعماه الخوف والجنون عن البصر بالعواقب، فقصدت يوما إلي عشيقها وطلبت إليه أن يقنع ابنتها بالعدول عن الزواج، وقد دهش الرجل وحق له أن يدهش وقال لها: وما لي أنا ولهذا؟.. ثم انه لم تسبق لي معرفة وثيقة بالأنسة حياة فلا أدري والحالة هذه كيف يجوز لي أن أحادثها فيما هو من صميم شئونها الخاصة؟...

ولكن المرأة استهانت باعتراضاته وكذبت عليه فقالت: حقيقة انك لم تسبق لك بها معرفة وثيقة كما تقول ولكنها تعلم انك صديق والديها، وقد سمعت في بعض المجالس ثناء كبيرا علي نبوغك في المحاماة فهي لاشك تقدر رأيك حق قدره وتنزله من نفسها منزلة سامية. فتورد وجه الشاب وذكر وجه الفتاة الجميل الذي سعد برؤيته ساعة في السيارة صباح العودة من اسوان. فلم يستطع أن يرفض ولكنه قال متسائلا: فكيف لي بمقابلتها علي انفراد لأحادثها في هذا الشأن الخطير؟ واذا قابلتها فكيف أفاتحها به؟. فتنهدت المرأة ارتياحا وقالت:

لقد دبرت كل شيء، سأستصحبها يوم الاحد القادم لشراء بعض الحاجات، وعليك أن تقابلنا مصادفة طبعا في شارع سليمان باشا الساعة الخامسة مساء، وتقترح علينا التنزه قليلا علي جسر قصر النيل فاتركها معك وأعدك بأن الحق بكما بعد دقائق، وتنتظراني ساعة علي الاكثر فان لم أعد تأت بها إلي شيكوريل حيث تجدانني، وفي أثناء ذلك تستطيع ان تطرق الموضع بلباقة المحامي وتفضي إليها برأيك في الزواج المبكر.. ما رأيك الآن؟.

وقبل الشاب بسرور خفي، فتركته المرأة وذهبت إلي الفيللا علي عجل، واغلقت علي نفسها حجرتها وأحضرت ورقة وقلما وكتبت ما يلي بيد مضطربة وبخط جهدت أن تخرج به عن مألوف خطها:

سيدي الاستاذ.. أنت شارع في الزواج من كريمة محمد بك طلبة ولكن يبنغي قبل ذلك ان تذهب بنفسك كل يوم إلي جسر قصر النيل الساعة الخامسة مساء وخصوصا أيام الآحاد.

ثم كتبت علي الغلاف عنوان الخطيب ووضعت الخطاب فيه، وترددت لحظة رهيبة ثم نادت خادما وامرته بوضع الخطاب في صندوق البريد..

وجاء يوم الاحد وخرجت الام وابنتها وحدثت المقابلة مع الاستاذ، وتم لها ما أرادت من تركها معه، وذهبت بمفردها إلي شيكوريل وابتاعت حاجاتها ولبثت تنتظر حتي حضر الاستاذ وحياة وقد اعتذرت اليهما قائلة: اوه.. لقد تأخرت عليكما لان المحل مزدحم كما تريان. لابأس، أظن أنه ينبغي أن نذهب الآن. نستودعك الله يا استاذ...

وفي الطريق لازمت المرأة الصمت وقد انتظرت طويلا أن تفاتحها الفتاة بالكلام، ولكنها ظلت واجمة كأنها تجهل اللغة التي تتكلمها أمها، وأختلست المرأة منها نظرة فألفتها جامدة باردة لاتعير وجودها أدني اهتمام فانقبض صدرها وتذكرت آسفة حزينة كيف كانت في حضرتها لاتمل الحديث والضحك والمداعبة، وضاق صدرها بصمت الفتاة فقالت تحملها علي الكلام: كيف كان التنزه..؟ وماذا قال لك الأستاذ؟.

فأجابتها بايجاز قائلة: تحدثنا أحاديث عامة تافهة لاتستحق الاعادة!.

وما رأيك فيه؟

هو جنتلمان.

وكانت ترجو أن تعرف من اجابة الفتاة الأثر الذي تركه حديث الاستاذ في نفسها ولكنها لم تستطع أن تدرك شيئا..

ولما خلت إلي نفسها ذلك المساء تنهدت وقالت ان حياة لاتحاول اخفاء نفورها مني.. نفورها؟! وما النفور إلي جانب ما صنعت هي؟ أي فعلة شنعاء! أي أثم منكر! انها تعرف نفسها أكثر مما يعرف الناس، وهي تعلم انها سيئة التصرف، كثيرة الأخطاء متسرعة هوجاء، ولكن لم يسبق لها أن أخطأت خطأ منكرا كهذا الخطأ. وما لها تسميه خطأ؟ ولماذا لاتسميه باسمه الحقيقي فتقول أثم وجريمة؟ فهو جريمة شنعاء لانه ليس أقل من محاولة تلويث شرف ابنتها والقضاء علي مستقبلها في سبيل شهواتها هي. يا للفظاعة! لو أمكن فقط ان يبقي هذا سرا مكتوما، ولكنه لن يبقي كذلك لانها في الحقيقة وان كانت فكرت تفكير شيطان الا أنها دبرت تدبر أطفال، فالرسالة التي كتبت قد تكفل لها فسخ الخطوبة، ولكن من يضمن لها الا يتصل خبرها بزوجها؟ ومن يضمن لها الا يسأل الرجل ابنته عما جاء فيها؟ واذا صارحت الفتاة أباها بانها هي أي أمها التي تركتها مع المحامي ذلك اليوم فما عسي أن يحدث الرجل؟

أواه! قد لاتكترث لغضب زوجها، ولكنها علي وشك أن تفقد محبة ابنتها إلي الأبد، بل ابنها وابنتها معا، لانه لا مدحت ولا أي ابن في الوجود يستطيع ان يبر بمثل هذه الأمومة المتوحشة. واحست عند ذاك بقشعريرة تسري في جسدها واستولي عليها ذعر لم تشعر بمثله من قبل وباتت فريسة الآلام والمخاوف..

ولأول مرة منذ ان سمعت بنبأ خطوبة حياة اتجه تفكيرها نحو الخير وودت لو تستطيع أن تكفر عن خطيئتها ببذل التضحية الغالية، وظلت تفكر صادقة مخلصة حتي قطعت عليها تفكيرها الحوادث. فعند أصيل يوم من الأيام رأت المرأة ابنتها ترتدي معطفها وتتأهب للخروج، فسألتها برقة: إلي أين؟ وأجابت الفتاة قائلة: الي السينما، فسألتها بتعجب: بمفردك؟، فأجابتها ببرود: مع الاستاذ عاصم.

وأصاب الجواب منها مقتلا فاستولي عليها ذهول شديد، وقالت في دهشة: ولكنك لم تستأذني أحدا؟. فقالت الفتاة بشيء من الجفاء: استأذنت بابا واذن لي.

وهل طلب الاستاذ إليك ان تذهبي معه إلي السينما؟

نعم متي.. وأين؟

علي جسر قصر النيل ذلك اليوم..

وغشيت عينيها سحابة ظلماء فجمدت في مكانها لاتري شيئا. ولما أفاقت كانت حياة قد غادرت البيت..

وتيقظت غريزتها مرة أخري، فطغت علي عواطف الخير التي تحركت في قلبها منذ حين قليل، وخنقتها كما يخنق الماء الأجاج الورد اليانع، فذهبت توا إلي زوجها وقالت له غاضبة: لم أذنت لحياة بالذهاب مع الاستاذ؟.

فقال الرجل بلهجة تهكمية: ولم لا؟ اليس هو الصديق الصدوق لأمها وأبيها؟.

فاهتاجها الغضب لتهكمه وقالت وهي تنظر إلي وجهه نظرة غيظ وكراهية: اني أعجب من تصرفك هذا، أيجوز أن تأذن لها باصطحاب الاستاذ وأنت تسعي لتزويجها من رجل آخر؟.

فهز الرجل كتفيه وقال: فسخ الرجل الآخر خطبته!

فخفق قلبها واصفر وجهها وتساءلت: تري هل علم شيئا من الرسالة؟.. واستطرد الرجل قائلا:

عليك نقع تبعة ذلك ياهانم، فرفضك وماذاع عنه زهد الشاب في الفتاة.

تري هل أكتفي الشاب بالانسحاب دون أن يطلع زوجها علي الخطاب؟ ليت ذلك يكون؟.. وعاد زوجها يقول بقسوة لم يستطع أخفاءها:

وقد اخبرتني حياة بأنك تركتها مع الاستاذ عاصم ساعة في قصر النيل فظننت انك تفضلينه علي الشاب الآخر، فلما استأذنتني في الذهاب معه اذنت لها. وقلت لنفسي لا علي من هذا، فعاصم شاب جميل ونابغ في فنه..

عند ذلك لم تستطع صبرا فولت مدبرة تترنح في مشيتها كالمصاب في مقتل.. وتذكرت المثل القائل علي الباغي تدور الدوائر، فقد فعلت ما فعلت، ارتكبت ما ارتكبت، وفقدت ما فقدت لتحافظ علي حب الرجل. وها هي ذي توشك أن تفقد بمسعاها هي دون غيرها الرجل وحبه. يا له من ألم ساخر! ليتها أبقت علي الخطيب الاول او ليتها تستطيع ان تسترده بأي ثمن!

ولم تنم من ليلتها ساعة واحدة. وعند الصباح حدثت المحامي بالتليفون وقالت كما تعودت ان تقول دائما مساء اليوم في عشنا.. هه!، فأجابها بغير ما تعود ان يجيبها به.. قال: آسف جدا ياعزيزتي.. أنا مشغول جدا هذه الايام. وصدمها اعتذاره صدمة شديدة وخيب آمالها، ولم يفتها مغزي قوله هذه الأيام، ولكنها لم ترض بالهزيمة، فقالت بسخرية مريرة: ومع هذا فأعمالك الكثيرة لاتمنعك من الذهاب إلي السينما؟.. ماذا يستطيع أن يقول؟ قال انه بالأمس فقط كان لديه متسع من الوقت أما الآن فلا..!

ورأت أنه لايكلف نفسه حتي الاعتذار المقبول، ولماذا يكلف نفسه؟.. انما يهتم بانتحال الأعذار من يهمه شخص المعتذر. وقد غدت عنده شيئا رخيصا أو لاشيء مطلقا. اواه! أهكذا تنقل بالقلوب؟ أهكذا ينسي الانسان؟ أمن الممكن أن يضحي حب كحبهما ذكري وحلما في لحظة سريعة؟ ألا من تدرج؟ ألا من رحمة؟

ولم تنقطع منذ ذلك اليوم المقابلات بين حياة والاستاذ عاصم وشاهدتهما معا متنزهات القاهرة وخلواتها وملاهيها حتي توقعت الأم يوما بعد يوم أن يتقدم الشاب لطلب يد الفتاة، ولكنه كان أحزم من أن يرتكب مثل هذه الهفوة، لانه كان خبيرا باخلاق روحية هانم، عليما بطباعها وعنادها وغرامها به، فرسم في عقله خطة محكمة وعزم علي تنفيذها بارادة لايثنيه عنها شيء. ولبثت روحية هانم في حيرة من أمرها تعاني أشد الآلام النفسية والقلبية، وتأسي بكراهية ابنتها لها، وتحديها لعواطفها وتتمزق ارادتها نهب الأمومة المحتضرة والأهواء العنيفة.. حتي كان مساء لاينسي اذ دخل علي هذه زوجها يهز خطابا في يده ثم يرميه في حجرها وهو يقول بلهجة الغاضب: اقرأي!.

فتناولت الكتاب بقلب مذعور متطير، وقلقت عيناها بين الأسطر الآتية:

سيدي المبجل: يصلك هذا الكتاب ونحن نستقل القطار الذاهب إلي بورسعيد حيث نبحر إلي أوربا أنا وعروسي كريمتكم لقضاء شهر العسل. واني أقر آسفا بانه لم تجر العادة بأن تعقد الزيجات علي هذا المثال الغريب، ولكن الظروف الدقيقة التي لاتجهلونها، لم تدع لي فرصة للاختيار، واني كبير الأمل ان تقدروا سلوكي تقديرا عادلا، ولست أقل أملا في نيل عفوكم القريب.

ودمتم للمخلص: عاصم عادل.

زاغت عيناها وحجبت غاشية الغضب الكلمات عن بصرها فظلت منكسة الرأس لاتري شيئا ولاتعي شيئا والقنوط يتسرب إلي قلبها كالغاز السام. ولم تحاول قط أن تقاوم نفسها المنهارة امام زوجها كأنها نسيت وجوده نسيانا تاما، وكان الشيخ يحدجها بنظرة قاسية متشفية، فلما وجدها تنهدم وتضمحل ولاها ظهره وذهب.

ولبثت في غيبوبة الحزن حينا طويلا ثم رفعت رأسها المثقل فوقع بصرها علي صورتها في المرآة فارتاعت وجفلت، لانه خيل إليها انها تري جمالها يذوي وينضب وتغشاه سيماء الهرم!

** منشور بجريدة "اخبار الأدب" بتاريخ 9 ديسمبر 2007م

المكتبين العرب said...

نكث الأمومة!







نجيب محفوظ

عندما أخذ قطار الصعيد يهديء من سرعته كان الفجر الأزرق الحالم قد اكتسي بحلة فضية من ضوء الصباح المنير، وقد فتحت السيدة روحية هانم عينيها مع بزوغ أول شعاع من أشعة الشمس، ولبثت لحظة مستسلمة لتراخي النوم، ثم اعتدلت في جلستها في الصالون وادارت عينيها الزرقاوين الفاتنتين في أنحاء الصالون حتي استقرتا علي وجه الاستاذ عاصم الذي كان يغط في نوم عميق، فلاحت فيهما نظرة حب وحنان، وكان من الضروري ايقاظه لدنو القطار من محطة مصر، الا أنها لم توقظه قبل ان تقوم إلي المرآة الصغيرة الموضوعة بين صور الكرنك واجاممنون، فتسوي شعر رأسها وتمسح خديها وجيدها بالبودرة المعطرة.. وتنبه النائم علي لمس أناملها ذات الاظافر الاهرامية الحمراء.. وكان أول ما مس احساسه من عالم اليقظة رائحة انفاسها الزكية وهي تطبع علي شفتيه قبلة شهية.. وفتحت النافذة واطلت منها برأسها الذهبي كأنها شمس تشرق من الأرض، فرأت بناء المحطة يدنو من بعيد، فالتفتت إلي الاستاذ وقالت وهي تتنهد: وآسفاه انتهت سفرتنا!.. فقال لها وهو يتمطي: هذه نهاية كل رحلة.. أما الحب فلا نهاية له!.

فقالت بصوت جعله الشوق والوجد كلحن من الموسيقي الخافتة: أين اسوان أين؟.. أين خلوة الصحراء تحتوينا معا؟ اين جدران المعابد تستر علينا؟ أين زورق النيل يجري بنا علي سطح الماء؟ أين وأنا وأنت لانفترق ونشهد معا وجوه اليوم من الفجر والصباح فالضحي والأصيل ثم المساء.. واها!.. فتنهد الشاب تنهدة هادئة لاكت نهداتها الحارة وقال: سنعود إلي أسوان في الشتاء القادم. أما من الغد فالي عش غرامنا المعهود في شارع سليمان باشا.. فقالت: هيهات أن تعوضنا هذه الساعات التي ننتهبها انتهابا، عن ذلك الشهر السعيد الذي كنا فيه جسما واحدا وروحا واحدة.

وحاول أن يجيبها بمثل حماسها، ولكن خذلته نفسه الهادئة الملولة فقنع بقوله صدقت ياعزيزتي ثم قام إلي النافذة الأخري ففتحها، وكان القطار قد بلغ المحطة واخذ يرسل صفيره المدوي في جوفها العظيم، فأرسلا بناظريهما إلي أفريز الاستقبال، وكان مزدحما بالجمهور. وسمعت الاستاذ يقول: هاهم أولاء.. زوجك وحياة ومدحت.

فقلقت عيناها بين الرؤوس المشرئبة حتي اطمأنتا إلي رأس حياة الذهبي، غرق قلبها حنانا، وتحولت عن النافذة وانطلقت تعدو خارجة، والاستاذ في أثرها. وعلي الأفريز هرع إليها مدحت وحياة وهما يصيحان: ماما فتعانقوا عناقا حارا، ولما تخلصت منهما، رأت زوجها الشيخ وهو في عباءته الفاخرة، وطربوشه مائل إلي الخلف يبدي عن شعره الخفيف، فجمدت عيناها، وتقدمت إليه، ومدت يدها فسلم عليها واجما، ووضع يده أيضا في يد الاستاذ عاصم.. وساروا جميعا إلي الخارج، الزوج في المقدمة وخلفه الزوجة بين مدحت وحياة ومن وراء الجميع الاستاذ.. واستقلوا السيارة التي انطلقت بهم في طريق الزمالك..

وجلس الزوج وزوجه وحياة في ناحية، وجلس في الناحية الأخري المقابلة الاستاذ ومدحت. واستطاع عاصم ان يري حياة عن كثب لأول مرة، اذ أنها لم تكن تقابله في زياراته المتكررة لوالديها.. يا للعجب للشبه العظيم الذي بين الأم وابنتها، فلم يكن يفارق بينهما الا ما يفارق بين نضارة الشباب الاولي ونضوج الانوثة الكاملة، فكانت الفتاة كالياسمينة العبقة في الغصن وأما الأم فكالوردة النادرة في الزهرية!

وظلوا صامتين جميعا حتي قال الزوج: كيف كانت الرحلة؟ لعل صحتك تحسنت ياهانم؟.. فأحنت المرأة رأسها وتمتمت: الحمد لله. وقال الاستاذ: قل ان تغيب الشمس في اسوان وهي انجع دواء للهانم.. فأبتسم الرجل عن اسنان ذهبية صناعية وقال: يسرني ان أسمع هذا، وعسي ان تسرا بدور كما لأنبائنا، فتهنئها حياة بخطبتها القريبة...

وأحمر وجه الفتاة وخفضت عينيها حياء، والتمعت عينا الام وبدا عليها الاهتمام، وردت نظرها بين حياة وزوجها وسألت بلهفة ودهشة:

وهل تمت هذه الخطوبة؟.. فقال الرجل: لايجوز ان تتم خطوبة فتاة في غياب أمها... ولكنها ستتم قريبا باذن الله!.

ونظر الاستاذ إلي الفتاة وقال مبتسما: مبروك. أما الأم فسألت:

من هو؟. واجابها الرجل: طلعت، أين شريكي..

وسأل المحامي: هل هو موظف؟، فقال الرجل بزهو: نعم وكيل نيابة!.

وأطبقت روحية هانم شفتيها فلم تفه بكلمة أخري، واستسلمت لأفكار غامضة فغابت عن الحاضرين، وانتهت السيارة إلي الفيلا ودخلوا جميعا ومعهم الاستاذ عاصم.

ولكنه استأذن بعد قليل وانصرف إلي بيته القريب.

كان السيد محمد بك طلبة من كبار تجار الشاي المعروفين بمصر وقد ربح من تجارته ثروة عظيمة تقدر بمئات الألوف من الجنيهات، وكان في اخلاقه صورة من رجال طائفته الناجحين في حسن التدبير وعلو الهمة والحرص، وبالرغم مما تحفل به حياته من التجارب والمخاطرات، وبالرغم مما صادفه فيها من ويلات المحن وفرص النجاح، فانه مايزال يعد زواجه أخطر حادث في حياته، وهذا هو اعتقاده الدفين وان لم يصرح به!.. وقد وقع هذا الحادث الخطير منذ عشرين عاما وهو في الخامسة والأربعين اذ كان يقوم باحدي رحلاته التجارية بسوريا، وقد التقي هناك بأسرة زوجه وتعرف إلي والديها، وكان الأب سوريا والأم أمريكية. ورأي ابنتهما الشابة الفاتنة ساعة فوقع في حبها وجن جنونا وتحركت في اعماقه غريزته التجارية غريزة الامتلاك فخطبها إلي والديها ولم يستدر ذلك الشهر حتي تم زواجه منها، وعاد إلي مصر بأعظم ربح وأجمل امرأة في الوجود كما قال لنفسه حينذاك...

بدأت الحياة الزوجية بنجاح لابأس به، وأثمرت علي مر الأيام طفلين جميلين مدحت وحياة. فبشر مقدمهما الاسرة بدوام السعادة والعشرة.. ودارت السنون دورة سريعة فوجد إليك أنه أخذ يجتاز الحلقة السابعة، ويقنع من الدنيا بمشاهدة مدحت وحياة، ويكتفي من الحب يتذكر احلامه المنطوية... وأما المرأة فالفت نفسها في مكتمل الانوثة ونضوج الشباب فلم تحمل نفسها القناعة من الدنيا بالأبناء والاحلام، اذ كان شبابها عنيدا جبارا دائب الثورة علي الزمن.. فتصدع ائتلاف الزوجين، وعجزت شيخوخة الرجل عن كبح هذه الحيوية الثائرة فانكمشت امام سيلها العارم وخلت لها المنحدر وانزوت مطعونة باليأس مذعنة بالتسليم.

واتفق أن كان الاستاذ عاصم المحامي صديق الزوج وجاره السبب المباشر في انفجار هذه الثورة الحيوية العنيفة، وقد تحيرت (صالونات) الزمالك في تحديد علاقته بروحية هانم، فمن قائلة أن هذا المحامي الجميل ليس الا صديقا للأسرة، ومن هامسة بأنه عشيق الزوجة ومتغفل الزوج، ومن مؤكدة انه عشيق الزوجة علي علم وتسليم أو علي الأقل تغاض من الزوج. وظل كل فريق علي رأيه حتي ذاع خبر تلك الرحلة الشتوية إلي أسوان، التي قيل في تعليلها ان الاطباء نصحوا للهانم بانتجاع الصحة في مصر العليا، وأن الزوج الذي تمنعه اعماله في مثل هذا الوقت من السفر عهد بالزوجة إلي صديقه المخلص المحامي الذي يسافر في يناير من كل عام إلي اسوان... هنالك قطع الشك باليقين واتفقت الآراء...

وكانت روحية هانم لاتهتم بشيء اهتمامها بشبابها، فكانت لاتني عن العناية به والتفكير فيه حتي غدا ذلك وسواسا ومرضا ينغصان حياتها بالمخاوف والأوهام، وكانت كلما تقدم بها العمر يوما تزايدت وساوسها واشتدت مخاوفها، ذلك انها كانت تحس في أعماقها ببلوغ قمة الشباب التي لايعقبها الا الانحدار، وكانت تعلم أن شبابها هو سعادتها لأنها بدونه لاتستطيع أن تجذب إليها الرجل الذي تحبه والذي تعلم مع الألم الشديد أنها تكبره بما لايقل عن عشرة أعوام...

ولطالما تذكر ما قالت مرة امرأة تعلن لها الود وتكتم العداوة في مجلس لأخري وهي تعنيها بالذات، من ان النساء اللاتي يحافظن علي شبابهن بعد فوات عهده يهرمن مرة واحدة بلا تدرج.. واها!.. كم سخرت من رأي هذه المرأة وكم أرجعته إلي الحسد الذي تحمله لها، ولكن.. لاسخريتها ولا تظاهرها بالاستهانة افادا شيئا في مغالبة الذعر الذي استولي عليها والرجفة التي استحوذت علي أعصابها.. فغدت كالمجنونة يخفق قلبها جزعا واشفاقا كلما طرقت اذنيها دقات الساعة.

وجعلها ذلك في حيرة بين حبها لمدحت وحياة وبين الخوف منهما، فهما بلا شك لذة الأمومة التي تخفق في صدرها ولكنهما آيتان علي كذب شبابها، أما حياة فقد بلغت السادسة عشرة من عمرها وهي تخطو إلي النضوج بخطي سريعة تدل عليها معاني العينين ونهوض الثديين، وأما مدحت فتعذيبه لها أشد اذ أن هذا الشاب الذي لم يجاوز الثامنة عشرة ينمو نموا خطيرا، فهو فارع الطول جاهر الفتوة عريض المنكبين، والأدهي من هذا كله غرامة بشاربه ومطاوعة الشارب له، فالشاب يحب الرجولة ويستزيد منها حب أمه للشباب واستزادتها منه.. وقد كانت حريصة علي استصحابه كلما خرجت حتي قالت لها مرة امرأة من صاحباتها: ما أحري الذي يراكما بأن يقول ما أسعدهما من زوجين! ولم تدر ما اذا كانت المرأة تثني علي شبابها أو تلمزه وعلي كل حال لم تستصحب فتاها بعد ذلك أبدا..

علي انه لاح في افقها الآن ما يستخف بجميع همومها السابقة، اذ ما مدحت وما شاربه إلي زواج حياة المنتظر؟!

لقد بغتها الخبر، وكانت البغتة من الشدة بحيث لم تدع لها فرصة للتدبر ولا للتفكير ولاحتي للتظاهر بالفرح أمام ابنتها اذ هما بالسيارة.. فلما ذهبوا إلي الفيلا خلت إلي نفسها بحجرتها معتذرة بتعب السفر، وفي عزلتها عاودت التفكير في هدوء وأمعان فتوالت عليها الفروض والتصورات، فهي لاتشك في انه لولا الحياء لغنت حياة فرحا وسرورا، وأي فتاة لاتفرح للزواج؟ وخاصة اذا كان الشاب في عنفوان شبابه وجيها في بحبوحة من الغني والجاه سيدا في وظيفة تتيه علي جميع الوظائف، فلعلها باتت تغرد في قلبها أطيار الحب وتحلق في جوها الطاهر احلامه العذبة، فهي جد سعيدة بحاضرها، جد آملة في مستقبلها، ولاشك انها تنتظر الآن ان تستعيد أمها راحتها من وعثاء السفر وأن تذهب إليها لتطبع علي خدها الوردي قبلة التهنئة فتعلن رضاهاوموافقتها فتتم الخطوبة وتكمل السعادة.

ولكنها اذا فعلت فستغدو الابنة زوجة، وتمسي أما. فتسمع عن قريب من يناديها بقوله: جدتي، جدتي!. لقد نطقت بهذه الكلمة الشنعاء، فدوت في اذنيها دوي التصويت والنواح فارتج لها جسمها البض وخفق لهولها قلبها العاشق.. وأحست ببرودة الخوف تسري في أعصابها سريان الجفاف في الغصن الرطيب.. وخيل إليها الوهم أنها تجلس إلي مقعد وتير وإلي جانبها ابنتها وعلي حجرها غلام وكأنها تسمعه بأذنيها يهتف بها: ياجدتي!. ورأت نفسها وقد ذوي جمالها وتغضن جبينها وغارت عيناها ورق خدها وأبيض شعرها.. فانتفضت واقفة وكتمت صرخة رعب كادت تفلت من شفتيها، وهزت رأسها بعنف لتطرد عن خيالها الاطياف المرعبة. حتي اذا عاودها اطمئنانها صاحت ابدا.. ابدا.. لن يكون هذا.

ولبثت ملازمة لحجرتها غير عابئة بما عسي أن يحدثه غيابها في نفس ابنتها العزيزة، حتي ثقل الأمر علي البك فاستأذن عليها ودخل، وجلس قبالتها وجعل يرمقها بعينيه الحادتين وهو يرجو أن تفاتحه بالحديث، ولما لم يدع له أصرارها أملا قال: أرجو ان تكون اسوان قد شفت أعصابك.

وأغضبها قوله، وظنت أنه يتهكم عليها فنظرت إليه نظرة حمراء، ولما شاهدت عينيه الحادتين. وقر في نفسها انه هو الذي سعي إلي هذه الخطوبة وانه سعي إليها تأديبا لها وانتقاما منها، فهو أعرف الناس بها وأعرفهم علي وجه الخصوص بما يسرها وما يسوؤها، واشتد بها عند ذاك الغضب، فعضت علي شفتها السفلي واهملت الرد عليه، فقال كالدهش: مالك؟ لست كعادتك.. والأعجب من هذا أنك لم تفرحي لما بشرتك به!.. فاهتاجها الغيظ وقالت محنقة غاضبة: لن تتم هذه الخطبة!.. فبدا علي وجه إلبك الانزعاج وقال: ماذا تقولين ياهانم؟.. وأجابته بصوت صارم: اقول انه لن تتم هذه الخطبة..!

كيف؟.. وطه؟..

ان حياة مازالت صغيرة السن.

ولكنها بلغت سن الزواج القانونية.

ماذا يفيد القانون اذا كان الزواج المبكر يؤذي صحتها؟

لقد تزوجت ياهانم في مثل سنها ومع هذا فان كل من يراك يشهد لك بالصحة والنضارة..

فضربت الارض بقدميها وقالت محنقة مغيظة: أنا دائما أشكو من أعصابي.. فضيق عينيه ورفع حاجبيه وقال في تهكم: ربما كان ذلك لعلة غير الزواج..!

فغلبها الغضب واشتد بها الانفعال وقالت بصوت متهدج:

باختصار لن تتم هذه الخطبة. ولكن الزوج صر علي اسنانة الصناعية وقال:

لقد اطلقت لك الحبل علي غاربه وملكتك حريتك الكاملة وقلت لك منذ عامين أنت وشأنك.. ولكني لم أتنازل عن حقوقي كوالد ولا أفكر في التنازل عنها، وأني لأشفق من أن تضيع علي ابنتي مثل هذه الفرصة الذهبية، ولذا فاني اعلنك.

وأني أعني ما أقول باني سأعقد هذه الخطبة!

فقامت غاضبة وأشارت إليه بيد مرتجفة وصاحت: وأنا أؤكد لك بأنها لن تتم.

فهز الرجل كتفيه استهانة وغادر المكان وهو يقول سنري.

وصبرت الهانم حتي عاودها شيء من هدوئها ثم دعت إليها ابنتها، وحدثتها حديثا طويلا عن حبها لها وخوفها عليها وتوخيها ما ينفعها وأشفاقها مما يضرها، ثم خلصت إلي ما دعتها في الحقيقة من أجله، فأعلنتها بانها لاتوافق علي زواجها وانها ترغب في تأجيله بضع سنين خوفا علي صحتها، ورحبتها رجاء حارا أن ترفض يد ذلك الشاب وألا تذعن لارادة والدها.

وصمتت الفتاة صمتا بليغا، ولاذت به من الرفض أو القبول، وعبثا حاولت المرآه أن تخرجها عن صمتها ولكنها فهمت منه، ومما طالعت في وجهها من الحزن والاستياء ما أشفي بها علي اليأس والقنوط.. ولبثت الفتاة في حضرتها ما لبثت ثم غادرت الغرفة ولم تنفرج شفتاها من غير التحيتين.. تحية اللقاء التي نطقت بها في مسرة وفرح، وتحية الوداع التي قالتها في صوت خافت بارد.. وجن جنون الام ازدادت تشبثا وعنادا، ووقفت من الزواج موقف المقاطعة والتحدي.. فلما جاء الشاب الخطيب لزيارتها أبت أن تقابله كما رفضت مقابلة أهله من بعد. وأضطر البك إلي انتحال الاعذار الكاذبة لها، وبذل الرجل ما في وسعه لاقناعها بالتحول عن عنادها وتوسل إليها باسم ابنتها، ولكنها ركبت رأسها وأبت أن تصغي إليه حتي انفجر مرجل الرجل واقدم علي الافضاء بالحقيقة إلي شريكه والد الخطيب وشكا إليه قسوة امرأته التي تضحي بسعادة ابنتها في سبيل شبابها الكاذب.. وطلب إليه أن يعاونه علي اتمام الزواج رغم أرادة الأم انقاذا للفتاة من أنانية أمها المتوحشة!

وذاعت هذه الكلمة التي قيلت سرا في جميع الأوساط الراقية، وتحدثت بها (الصالونات) حتي بلغت اذني الاستاذ عاصم المحامي الذي حملها بدوره إلي روحية هانم نفسها، ولكن لم يكن هذا ولا ما أصبح يبديه مدحت وحياة من الاستياء والنفور الا ليزيدها عنادا واصرارا.. ووجدت المرأة أن كل ما قيل وذاع لم يغن فتيلا في عرقلة الساعين إلي اتمام الزواج، وكانت تري في نجاح مسعاهم القضاء الاخير علي سعادتها وشبابها وغرامها، فانبرت للدفاع عن نفسها دفاع البائس المستميت واهتدت في قنوطها إلي فكرة جهنمية شريرة لاتخطر علي قلب أم أبدا، وسارعت إلي تنفيذها بقلب اعماه الخوف والجنون عن البصر بالعواقب، فقصدت يوما إلي عشيقها وطلبت إليه أن يقنع ابنتها بالعدول عن الزواج، وقد دهش الرجل وحق له أن يدهش وقال لها: وما لي أنا ولهذا؟.. ثم انه لم تسبق لي معرفة وثيقة بالأنسة حياة فلا أدري والحالة هذه كيف يجوز لي أن أحادثها فيما هو من صميم شئونها الخاصة؟...

ولكن المرأة استهانت باعتراضاته وكذبت عليه فقالت: حقيقة انك لم تسبق لك بها معرفة وثيقة كما تقول ولكنها تعلم انك صديق والديها، وقد سمعت في بعض المجالس ثناء كبيرا علي نبوغك في المحاماة فهي لاشك تقدر رأيك حق قدره وتنزله من نفسها منزلة سامية. فتورد وجه الشاب وذكر وجه الفتاة الجميل الذي سعد برؤيته ساعة في السيارة صباح العودة من اسوان. فلم يستطع أن يرفض ولكنه قال متسائلا: فكيف لي بمقابلتها علي انفراد لأحادثها في هذا الشأن الخطير؟ واذا قابلتها فكيف أفاتحها به؟. فتنهدت المرأة ارتياحا وقالت:

لقد دبرت كل شيء، سأستصحبها يوم الاحد القادم لشراء بعض الحاجات، وعليك أن تقابلنا مصادفة طبعا في شارع سليمان باشا الساعة الخامسة مساء، وتقترح علينا التنزه قليلا علي جسر قصر النيل فاتركها معك وأعدك بأن الحق بكما بعد دقائق، وتنتظراني ساعة علي الاكثر فان لم أعد تأت بها إلي شيكوريل حيث تجدانني، وفي أثناء ذلك تستطيع ان تطرق الموضع بلباقة المحامي وتفضي إليها برأيك في الزواج المبكر.. ما رأيك الآن؟.

وقبل الشاب بسرور خفي، فتركته المرأة وذهبت إلي الفيللا علي عجل، واغلقت علي نفسها حجرتها وأحضرت ورقة وقلما وكتبت ما يلي بيد مضطربة وبخط جهدت أن تخرج به عن مألوف خطها:

سيدي الاستاذ.. أنت شارع في الزواج من كريمة محمد بك طلبة ولكن يبنغي قبل ذلك ان تذهب بنفسك كل يوم إلي جسر قصر النيل الساعة الخامسة مساء وخصوصا أيام الآحاد.

ثم كتبت علي الغلاف عنوان الخطيب ووضعت الخطاب فيه، وترددت لحظة رهيبة ثم نادت خادما وامرته بوضع الخطاب في صندوق البريد..

وجاء يوم الاحد وخرجت الام وابنتها وحدثت المقابلة مع الاستاذ، وتم لها ما أرادت من تركها معه، وذهبت بمفردها إلي شيكوريل وابتاعت حاجاتها ولبثت تنتظر حتي حضر الاستاذ وحياة وقد اعتذرت اليهما قائلة: اوه.. لقد تأخرت عليكما لان المحل مزدحم كما تريان. لابأس، أظن أنه ينبغي أن نذهب الآن. نستودعك الله يا استاذ...

وفي الطريق لازمت المرأة الصمت وقد انتظرت طويلا أن تفاتحها الفتاة بالكلام، ولكنها ظلت واجمة كأنها تجهل اللغة التي تتكلمها أمها، وأختلست المرأة منها نظرة فألفتها جامدة باردة لاتعير وجودها أدني اهتمام فانقبض صدرها وتذكرت آسفة حزينة كيف كانت في حضرتها لاتمل الحديث والضحك والمداعبة، وضاق صدرها بصمت الفتاة فقالت تحملها علي الكلام: كيف كان التنزه..؟ وماذا قال لك الأستاذ؟.

فأجابتها بايجاز قائلة: تحدثنا أحاديث عامة تافهة لاتستحق الاعادة!.

وما رأيك فيه؟

هو جنتلمان.

وكانت ترجو أن تعرف من اجابة الفتاة الأثر الذي تركه حديث الاستاذ في نفسها ولكنها لم تستطع أن تدرك شيئا..

ولما خلت إلي نفسها ذلك المساء تنهدت وقالت ان حياة لاتحاول اخفاء نفورها مني.. نفورها؟! وما النفور إلي جانب ما صنعت هي؟ أي فعلة شنعاء! أي أثم منكر! انها تعرف نفسها أكثر مما يعرف الناس، وهي تعلم انها سيئة التصرف، كثيرة الأخطاء متسرعة هوجاء، ولكن لم يسبق لها أن أخطأت خطأ منكرا كهذا الخطأ. وما لها تسميه خطأ؟ ولماذا لاتسميه باسمه الحقيقي فتقول أثم وجريمة؟ فهو جريمة شنعاء لانه ليس أقل من محاولة تلويث شرف ابنتها والقضاء علي مستقبلها في سبيل شهواتها هي. يا للفظاعة! لو أمكن فقط ان يبقي هذا سرا مكتوما، ولكنه لن يبقي كذلك لانها في الحقيقة وان كانت فكرت تفكير شيطان الا أنها دبرت تدبر أطفال، فالرسالة التي كتبت قد تكفل لها فسخ الخطوبة، ولكن من يضمن لها الا يتصل خبرها بزوجها؟ ومن يضمن لها الا يسأل الرجل ابنته عما جاء فيها؟ واذا صارحت الفتاة أباها بانها هي أي أمها التي تركتها مع المحامي ذلك اليوم فما عسي أن يحدث الرجل؟

أواه! قد لاتكترث لغضب زوجها، ولكنها علي وشك أن تفقد محبة ابنتها إلي الأبد، بل ابنها وابنتها معا، لانه لا مدحت ولا أي ابن في الوجود يستطيع ان يبر بمثل هذه الأمومة المتوحشة. واحست عند ذاك بقشعريرة تسري في جسدها واستولي عليها ذعر لم تشعر بمثله من قبل وباتت فريسة الآلام والمخاوف..

ولأول مرة منذ ان سمعت بنبأ خطوبة حياة اتجه تفكيرها نحو الخير وودت لو تستطيع أن تكفر عن خطيئتها ببذل التضحية الغالية، وظلت تفكر صادقة مخلصة حتي قطعت عليها تفكيرها الحوادث. فعند أصيل يوم من الأيام رأت المرأة ابنتها ترتدي معطفها وتتأهب للخروج، فسألتها برقة: إلي أين؟ وأجابت الفتاة قائلة: الي السينما، فسألتها بتعجب: بمفردك؟، فأجابتها ببرود: مع الاستاذ عاصم.

وأصاب الجواب منها مقتلا فاستولي عليها ذهول شديد، وقالت في دهشة: ولكنك لم تستأذني أحدا؟. فقالت الفتاة بشيء من الجفاء: استأذنت بابا واذن لي.

وهل طلب الاستاذ إليك ان تذهبي معه إلي السينما؟

نعم متي.. وأين؟

علي جسر قصر النيل ذلك اليوم..

وغشيت عينيها سحابة ظلماء فجمدت في مكانها لاتري شيئا. ولما أفاقت كانت حياة قد غادرت البيت..

وتيقظت غريزتها مرة أخري، فطغت علي عواطف الخير التي تحركت في قلبها منذ حين قليل، وخنقتها كما يخنق الماء الأجاج الورد اليانع، فذهبت توا إلي زوجها وقالت له غاضبة: لم أذنت لحياة بالذهاب مع الاستاذ؟.

فقال الرجل بلهجة تهكمية: ولم لا؟ اليس هو الصديق الصدوق لأمها وأبيها؟.

فاهتاجها الغضب لتهكمه وقالت وهي تنظر إلي وجهه نظرة غيظ وكراهية: اني أعجب من تصرفك هذا، أيجوز أن تأذن لها باصطحاب الاستاذ وأنت تسعي لتزويجها من رجل آخر؟.

فهز الرجل كتفيه وقال: فسخ الرجل الآخر خطبته!

فخفق قلبها واصفر وجهها وتساءلت: تري هل علم شيئا من الرسالة؟.. واستطرد الرجل قائلا:

عليك نقع تبعة ذلك ياهانم، فرفضك وماذاع عنه زهد الشاب في الفتاة.

تري هل أكتفي الشاب بالانسحاب دون أن يطلع زوجها علي الخطاب؟ ليت ذلك يكون؟.. وعاد زوجها يقول بقسوة لم يستطع أخفاءها:

وقد اخبرتني حياة بأنك تركتها مع الاستاذ عاصم ساعة في قصر النيل فظننت انك تفضلينه علي الشاب الآخر، فلما استأذنتني في الذهاب معه اذنت لها. وقلت لنفسي لا علي من هذا، فعاصم شاب جميل ونابغ في فنه..

عند ذلك لم تستطع صبرا فولت مدبرة تترنح في مشيتها كالمصاب في مقتل.. وتذكرت المثل القائل علي الباغي تدور الدوائر، فقد فعلت ما فعلت، ارتكبت ما ارتكبت، وفقدت ما فقدت لتحافظ علي حب الرجل. وها هي ذي توشك أن تفقد بمسعاها هي دون غيرها الرجل وحبه. يا له من ألم ساخر! ليتها أبقت علي الخطيب الاول او ليتها تستطيع ان تسترده بأي ثمن!

ولم تنم من ليلتها ساعة واحدة. وعند الصباح حدثت المحامي بالتليفون وقالت كما تعودت ان تقول دائما مساء اليوم في عشنا.. هه!، فأجابها بغير ما تعود ان يجيبها به.. قال: آسف جدا ياعزيزتي.. أنا مشغول جدا هذه الايام. وصدمها اعتذاره صدمة شديدة وخيب آمالها، ولم يفتها مغزي قوله هذه الأيام، ولكنها لم ترض بالهزيمة، فقالت بسخرية مريرة: ومع هذا فأعمالك الكثيرة لاتمنعك من الذهاب إلي السينما؟.. ماذا يستطيع أن يقول؟ قال انه بالأمس فقط كان لديه متسع من الوقت أما الآن فلا..!

ورأت أنه لايكلف نفسه حتي الاعتذار المقبول، ولماذا يكلف نفسه؟.. انما يهتم بانتحال الأعذار من يهمه شخص المعتذر. وقد غدت عنده شيئا رخيصا أو لاشيء مطلقا. اواه! أهكذا تنقل بالقلوب؟ أهكذا ينسي الانسان؟ أمن الممكن أن يضحي حب كحبهما ذكري وحلما في لحظة سريعة؟ ألا من تدرج؟ ألا من رحمة؟

ولم تنقطع منذ ذلك اليوم المقابلات بين حياة والاستاذ عاصم وشاهدتهما معا متنزهات القاهرة وخلواتها وملاهيها حتي توقعت الأم يوما بعد يوم أن يتقدم الشاب لطلب يد الفتاة، ولكنه كان أحزم من أن يرتكب مثل هذه الهفوة، لانه كان خبيرا باخلاق روحية هانم، عليما بطباعها وعنادها وغرامها به، فرسم في عقله خطة محكمة وعزم علي تنفيذها بارادة لايثنيه عنها شيء. ولبثت روحية هانم في حيرة من أمرها تعاني أشد الآلام النفسية والقلبية، وتأسي بكراهية ابنتها لها، وتحديها لعواطفها وتتمزق ارادتها نهب الأمومة المحتضرة والأهواء العنيفة.. حتي كان مساء لاينسي اذ دخل علي هذه زوجها يهز خطابا في يده ثم يرميه في حجرها وهو يقول بلهجة الغاضب: اقرأي!.

فتناولت الكتاب بقلب مذعور متطير، وقلقت عيناها بين الأسطر الآتية:

سيدي المبجل: يصلك هذا الكتاب ونحن نستقل القطار الذاهب إلي بورسعيد حيث نبحر إلي أوربا أنا وعروسي كريمتكم لقضاء شهر العسل. واني أقر آسفا بانه لم تجر العادة بأن تعقد الزيجات علي هذا المثال الغريب، ولكن الظروف الدقيقة التي لاتجهلونها، لم تدع لي فرصة للاختيار، واني كبير الأمل ان تقدروا سلوكي تقديرا عادلا، ولست أقل أملا في نيل عفوكم القريب.

ودمتم للمخلص: عاصم عادل.

زاغت عيناها وحجبت غاشية الغضب الكلمات عن بصرها فظلت منكسة الرأس لاتري شيئا ولاتعي شيئا والقنوط يتسرب إلي قلبها كالغاز السام. ولم تحاول قط أن تقاوم نفسها المنهارة امام زوجها كأنها نسيت وجوده نسيانا تاما، وكان الشيخ يحدجها بنظرة قاسية متشفية، فلما وجدها تنهدم وتضمحل ولاها ظهره وذهب.

ولبثت في غيبوبة الحزن حينا طويلا ثم رفعت رأسها المثقل فوقع بصرها علي صورتها في المرآة فارتاعت وجفلت، لانه خيل إليها انها تري جمالها يذوي وينضب وتغشاه سيماء الهرم!

** منشور بجريدة "اخبار الأدب" بتاريخ 9 ديسمبر 2007م
المصدر
http://www.moheet.com/show_news.aspx?nid=63982&pg=12